ابن عرفة

104

تفسير ابن عرفة

قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا . يدل على الموت أمر وجودي ، وهو مذهبنا خلافا للمعتزلة ، وهذا بناء على أن العدم الإضافي لا يصح كونه أثرا للقدرة ، وأما على القول بصحة كرمه أثرا لها ، فلا يتم الاحتجاج بالآية ، وإنما يتم الاحتجاج بقوله تعالى : خَلَقَ الْمَوْتَ [ سورة الملك : 2 ] ، لأن خلق لا يتعلق إلا بالوجود . وقال الفخر : في الكلام تقديم وتأخير ، أي أحيا وأمات ، ولا يحتاج إليه ، لأن الواو لا ترتب ، وقدم الموت مع أنه هو لم بخلاف ما سبق من تقديم الملائم ، إما لرءوس الآي ، وإما لأن الدنيا سجن للمؤمن ، والخطاب للمؤمنين ، فهو ملائم . قوله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ . السهيلي : لم يؤت في هذه بضمير الفصل كما أتى به فيما قبلها ، لأن بعض الجهال قد نسب تلك الأفعال لغير اللّه تعالى ، كقول النمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ سورة البقرة : 258 ] ، وأما هذا فلم يدعه أحد انتهى ، تقريره أنه سلك في الآية المتقدمة طريق الحصر بالبناء على المضمر ، فقال : وأنه هو كذا ، ولم يفعل ذلك هنا ، والجواب : أنه لما وقع الخلاف بين الناس في مدلول تلك الآيات ، فالمعتزلة يقولون : إن العبد يخلق أفعاله ، فيخلق الضحك والبكاء ، وفرقة أخرى ينكرون الآخرة والبعث ، وفرقة أخرى قالوا : ما يهلكنا إلا الدهر ، وأنكروا أن الموت والحياة مخلوقان لله تعالى ، احتج في ذلك لأداة الحصر ، بخلاف خلق الذكر والأنثى ، فإنه لم يخالف فيه أحد ، والحاصل أن الآيات المتقدمة مجرد دعوى مقرونة بدليلها ، وهو خلق الضدين الذكر والأنثى ، إذ لم يخالف أحد في الجمع بين الضدين ، أنه ليس من فعل العبد بوجه ، حسبما قال الضرير في نظمه : " ورد قول الطبعي الجاحد " بقوله تَسْعى [ سورة طه : 20 ] ، واحد ولذلك خلق اللّه تغير الضدين الذكر والأنثى من نطفة واحدة ، إذا تمنى ، فإن قلت : وله كذا الضحك والبكاء ضدان ، وقد جمع بينهما في آن واحد ، قلت : فرق بين الجمع بين الصفات ، وبين الجمع بينهما في الذوات ، فالأول : أخف يمكن أن يدعى بخلاف الثاني ، فإنه أضعف فما يلزم من دعوى ذلك في الصفات ، ودعواه في الذوات ، وخلق هنا ماضي بمعنى المستقبل ، لأن إذا لما يستقبل الآية عامة مخصوصة بآدم ، وحواء ، وعيسى عليهم السّلام . قوله تعالى : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى .